كيف بنيت منصتين تعملان فعلياً باستخدام الذكاء الاصطناعي؟
قصة كاملة بلغة بسيطة — من مشكلة يومية في العمل الميداني إلى منصتين يستخدمهما الموظفون ومسؤولو البلدية، مع الأخطاء التي واجهتها في الطريق.
قبل سنوات، لو قال لي أحد إنني سأبني منصتين إلكترونيتين يستخدمهما موظفون ومسؤولون في البلدية، كنت سأبتسم فقط. أنا لم أدرس البرمجة يوماً؛ تخصصي كهرباء، وعملي تقني ميداني. لكن عندي اليوم منصتين تعملان فعلياً… وهذه قصتهما كما حدثت — بلغة بسيطة، ومن غير أي مصطلحات تقنية.
المشكلة
العمل اليومي كان يستهلكنا. توثيق الأعمال الميدانية — بالصور والمواقع والفرق — كان يمر عبر جولات ورسائل وتقارير متفرقة. الصور تضيع، والتقارير تستهلك ساعات في التجميع، ومع كل طلب «أعطني أرشيف الشهر الماضي» نبدأ رحلة بحث لا تنتهي.
وموضوع الحضور والانصراف كان له قصته الخاصة: كشوف ورقية، وجداول متفرقة، ونقاشات متكررة حول من حضر ومن تأخر. كل هذا ليس «مشكلة تقنية» — إنه معاناة يومية تتكرر.
المشكلة لم تكن أننا نحتاج «تقنية» — كنا نحتاج أن تتوقف المعاناة اليومية.
الفكرة
جاء السؤال في لحظة تعب: ماذا لو بنيت النظام بنفسي؟ لم أدرس البرمجة، نعم… لكن مع أدوات الذكاء الاصطناعي، صار السؤال المشروع: لماذا لا؟
الفكرة بدت مجنونة، لكن كان لدي شيء واحد يعوّض عن خبرتي في البرمجة: أعرف المشكلة من داخلها. أعرف كيف يسير العمل، وأين يتعثر، وما الذي يحتاجه الموظف فعلاً — والأدوات الذكية تستطيع «البناء»، لكنها لا تعرف العمل مثلي.
القرار كان: لا أنتظر أحداً، وأبدأ من الليلة.
الأدوات
لم أحتج غرفة عمليات ولا فريقاً — أدواتي كانت أبسط من ذلك بكثير:
- أداة ذكاء اصطناعي أتحاور معها كما أتحاور مع مهندس مشروع: أشرح ما أريد، فتقترح وتبني.
- ورقة وقلم لأرسم سير العمل قبل أي شيء آخر.
- وضوح في الرأس: أن أرى كل خطوة كأنني الموظف الذي سيستخدمها.
وأهم درس مبكر: الأداة لا تعرف ما تريد إلا إذا كنت أنت تعرف. كل غموض في فكرتي كان يتحول غموضاً في النظام.
البناء
بدأت بالمنصة الأولى — لتوثيق الأعمال الميدانية: المواقع، الفرق، الصور، التقارير، والأرشيف الذي يبحث عنه الجميع. ثم جاءت الثانية — للحضور والانصراف: توقيع إلكتروني بدل الورق، مرتبط بجدول دوام كل موظف.
الطريقة كانت أجزاء صغيرة: شاشة، ثم زر، ثم تقرير… أشرح الجزء بلغة واضحة، أبني، ثم أجرّب كأنني الموظف: هل هذا واضح؟ هل هذه الخطوة سهلة؟ ماذا لو ضغط هنا بالخطأ؟ ثم أصلح وأعيد — عشرات ومئات المرات.
لم يكن الأمر سحرياً: أسابيع طويلة من التجربة والتصحيح — جزء بعد الدوام، وأجزاء في نهاية الأسبوع. لكن في كل جلسة كانت المنصة تقترب خطوة من «تعمل فعلاً».
الأخطاء
هنا الجزء الذي لا يحكيه أحد عادة. المنصة «التي تعمل» وُلدت من أخطاء كثيرة:
الخطأ الأول: زر الانصراف اختفى! غيّر موظف جدول دوامه، فجأةً توقف النظام عن قبول تسجيل خروجه، والسبب محيّر تماماً. الدرس الذي بقي: كل لحظة مهمة في النظام يجب أن تُحفظ كما كانت وقت حدوثها — لا أن تتأثر بما يتغير لاحقاً.
الخطأ الثاني: صار كل شيء في غير مكانه! في أحد الأيام، ظهرت بيانات جهة عند جهة أخرى. لحظة قصيرة، لكنها كانت كافية لأدرك حجم المسؤولية. أصلحتها في اليوم نفسه، ومنذ ذلك اليوم عندي قاعدة ثابتة لا تُكسر: كل مستخدم يرى ما يخصه فقط.
الخطأ الثالث: تحديث صغير عطّل شيئاً كبيراً. نشرت تحسيناً بسيطاً، فظهر خلل لم يكن موجوداً قبله. ومنه تعلمت: لا تحديث بلا تجربة، ولا تجربة بلا نسخة «رجوع» تعيد كل شيء كما كان خلال دقائق.
مع كل خطأ: توتر، ثم بحث، ثم إصلاح، ثم درس يبقى.
الاختبار
أصعب اختبار هو اختبار الحقيقة. جرّبتها بنفسي كأنني كل المستخدمين، ثم سلّمتها لزميلين بكل ثقة: «جرّباها… وكسّراها إن قدرتما». سجّلت ملاحظاتهما حرفياً، واكتشفت أشياء ما كنت أراها أبداً — لأنني كنت أرى النظام بعين من بناه، لا بعين من يستخدمه.
ثم أصبحت التجربة جماعية: الموظفون في الميدان، والإدارة، ومسؤولو البلدية (بصلاحيات مشاهدة ومتابعة فقط). كل استخدام حقيقي علّمني شيئاً جديداً.
الإطلاق
لا يوجد «يوم إطلاق» درامي. الانتقال كان تدريجياً: أول عملية توثيق حقيقية على المنصة، أول توقيع حضور من موظف بدل الورقة، وأول تقرير يُستخرج بضغطة بدل ساعات.
اللحظة التي أتذكرها جيداً: يوم طلب أحدهم تقرير الشهر، وأرسلته خلال دقيقة — وهو الشيء الذي كان يستهلك يوماً كاملاً. عندها عرفت أن المنصة لم تعد «تجربة».
التشغيل
النشر ليس النهاية — بل بداية الجزء الأهم. النظام الذي يعمل فعلاً يحتاج شخصاً يسأل عنه كل يوم: مشكلة موظف، اقتراح تحسين، صيانة، متابعة، ونسخ احتياطية منتظمة. ثقة الناس بالنظام تُبنى من سرعة الاستجابة، لا من لون الشاشة.
اليوم، المنصتان تعملان يومياً: الموظفون يوثقون أعمالهم الميدانية، ومسؤولو البلدية يتابعون من مكانهم، والحضور يُسجَّل بتوقيع إلكتروني واضح.
ماذا تعلمت؟
- وضوح المشكلة أهم من الأداة. أي أداة قوية لن تنجح إذا لم تكن تعرف بالضبط أين يتعثر العمل.
- الذكاء الاصطناعي شريك بناء، لا عصا سحرية. أنا لا أكتب البرمجة بنفسي — أُدير عملية البناء كاملة: أوضّح، أجرّب، أتحقق، أصلح، وأشغّل. وهذا بحد ذاته تخصص.
- الخطأ ليس نهاية الطريق. كل مشكلة مرعبة اليوم تصير غداً درساً — المهم أن تكتشفها مبكراً وتتعامل معها بهدوء.
- لا تفترض أنك تعرف — جرّب مع مستخدمين حقيقيين. ما يراه من بنى النظام غير ما يراه من يستخدمه.
- التشغيل اليومي هو الامتحان الحقيقي. الإطلاق لحظة؛ النجاح أن تظل المنصة تعمل — كل يوم، بلا ضجيج.
لو كنت أنتظر «الوقت المناسب» أو «أن أتعلم البرمجة أولاً»، لما وُجدت أي منصة. ابدأ من مشكلة تؤلمك فعلاً، ولا تستهن بما تستطيع فعله اليوم.
هل عندك مشكلة يومية تفكر أنها «تحتاج حلاً كبيراً»؟ راسلني — ربما تكون البداية لمنصة قادمة.